سيد قطب
1241
في ظلال القرآن
إنها تسبيحة « التوحيد » المطلق ، والعبودية الكاملة ، تجمع الصلاة والاعتكاف والمحيا والممات ، وتخلصها للّه وحده . للّه « رب العالمين » . . القوام المهيمن المتصرف المربي الموجه الحاكم للعالمين . . في « إسلام » كامل لا يستبقي في النفس ولا في الحياة بقية لا يعبدها للّه ، ولا يحتجز دونه شيئا في الضمير ولا في الواقع . . « وبذلك أمرت » . . فسمعت وأطعت : « وأنا أول المسلمين » . « قُلْ : أَ غَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا ، وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ ، وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْها ، وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى ، ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ؟ » . . كلمة تتقصى السماوات والأرض وما فيهن ومن فيهن ؛ وتشتمل كل مخلوق مما يعلم الإنسان ومما يجهل ؛ وتجمع كل حادث وكل كائن في السر والعلانية . . ثم تظللها كلها بربوبية اللّه الشاملة لكل كائن في هذا الكون الهائل ؛ وتعبدها كلها لحاكمية اللّه المطلقة عقيدة وعبادة وشريعة . ثم تعجب في استنكار : « أَ غَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ » ؟ أغير اللّه أبغي ربا يحكمني ويصرف أمري ويهيمن علي ويقومني ويوجهني ؟ وأنا مأخوذ بنيتي وعملي ، محاسب على ما أكسبه من طاعة ومعصية ؟ أغير اللّه أبغي ربا . وهذا الكون كله في قبضته ؛ وأنا وأنتم في ربوبيته ؟ أغير اللّه أبغي ربا وكل فرد مجزي بذنبه لا يحمله عنه غيره ؟ « ولا تكسب كل نفس إلا عليها ، ولا تزر وازرة وزر أخرى ؟ » . . أغير اللّه أبغي ربا وإليه مرجعكم جميعا فيحاسبكم على ما كنتم تختلفون فيه ؟ أغير اللّه أبغي ربا ، وهو الذي استخلف الناس في الأرض ، ورفع بعضهم فوق بعض درجات في العقل والجسم والرزق ؛ ليبتليهم أيشكرون أم يكفرون ؟ أغير اللّه أبغي ربا ، وهو سريع العقاب ، غفور رحيم لمن تاب ؟ أغير اللّه أبغي ربا ، فأجعل شرعه شرعا ، وأمره أمرا ، وحكمه حكما . وهذه الدلائل والموحيات كلها حاضرة ؛ وكلها شاهدة ؛ وكلها هادية إلى أن اللّه وحده هو الرب الواحد المتفرد ؟ ؟ ؟ إنها تسبيحة التوحيد الرخية الندية ؛ يتجلى من خلالها ذلك المشهد الباهر الرائع . مشهد الحقيقة الإيمانية ، كما هي في قلب رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - وهو مشهد لا يعبر عن روعته وبهائه إلا التعبير القرآني الفريد . . إنه الإيقاع الأخير في السياق الذي استهدف قضية الحاكمية والشريعة ؛ يجيء متناسقا مع الإيقاعات الأولى في السورة ، تلك التي استهدفت قضية العقيدة والإيمان ؛ من ذلك قوله تعالى : « قُلْ : أَ غَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ، وَهُوَ يُطْعِمُ وَلا يُطْعَمُ ؟ قُلْ : إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ ، وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ . قُلْ : إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ . مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ ، وَذلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ » . . وغيرها في السورة كثير . . ولا نحتاج أن نكرر ما قلناه مرارا من دلالة هذه المثاني التي تردد في المطالع والختام . فهي صور متنوعة